المقريزي
54
المقفى الكبير
على أموالهم ، وإذ قد أوقع بهم مرّة بعد أخرى ، فسفكت دماؤهم وابتزّت أموالهم ، مع اعتماد ما هي عادته من إصلاح الطرقات ، وقطع عيث العائثين فيها ، ليتطرّق الناس آمنين ، ويمشوا مطمئنّين ، ويتحفوا بالأطعمة والأقوات ، إذ كان قد انتهى إليه ، صلوات اللّه عليه ، انقطاع طرقاتها ، لخوف مارّتها ، إذ لا زاجر للمعتدين ، ولا دافع للظالمين ، ثمّ تجويد السكّة وضربها على العيار الذي [ 308 أ ] [ عليه ] السكّة الميمونة المنصورة المباركة ، وقطع الغشّ منها ، إذ كانت هذه الثلاث خصال [ م ] ما لا يسع من ينظر في أمور المسلمين إلّا إصلاحها واستفراغ الوسع فيما يلزمه منها . وما « 1 » أوعز به مولانا وسيّدنا أمير المؤمنين ، صلوات اللّه عليه ، إلى عبده من نشر العدل ، وبسط الحقّ ، وحسم الظلم ، وقطع العدوان ، ونفي الأذى ، ورفع المؤن ، والمناوأة في الحقّ ، وإعانة المظلوم ، والتقريب والإشفاق ، والإحسان وجميل النظر ، وكريم الصحبة ولطف العشرة ، وافتقاد الأحوال ، وحياطة أهل البلد في ليلهم ونهارهم ، وحين تصرّفهم في أوان ابتغائهم معايشهم ، حتى لا تجري أمورهم إلّا على ما لمّ شعثهم ، وأقام أودهم ، وأصلح بالهم ، وجمع قلوبهم ، وألّف كلمتهم على طاعة وليّه مولانا وسيّدنا أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه . وما أمر « 1 » به مولانا من إسقاط الرسوم الجائرة التي لا يرتضي ، صلوات اللّه عليه ، بإثباتها عليكم ، وأن أجريكم في المواريث على كتاب اللّه وسنّة نبيّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وأضع ما كان يؤخذ من تركات موتاكم لبيت المال من غير وصيّة ، من المتوفّى ، بها ، فإنّه لا استحقاق لتصييرها ببيت المال ، وأن أتقدّم في رمّ مساجدكم وتزيينها بالفرش والإيقاد وأعطي مؤذّنيها وقومتها ومن يؤمّ الناس فيها أرزاقهم ، وأدرّها عليهم ، فلا أقطعها عنهم ، ولا أدفعها إلّا من بيت المال ، لا بإحالة على من تقبض منهم . وأمّا غير ما ذكره مولانا وسيّدنا أمير المؤمنين ، صلوات اللّه عليه ، ممّا نصّه من ترسّل عنكم ، أيّدهم [ 361 أ ] اللّه ، [ من ] أنّكم ذكرتم وجوها التمستم ذكرها في كتاب أمانكم ، فذكرتها إجابة لكم ، وتطمينا لأنفسكم ، وإن لم يكن لذكرها معنى ، ولا في نشرها فائدة ، إذ كان الإسلام سنّة واحدة ، وشريعة متّبعة ، وهي : إقامتكم على مذاهبكم ، وأن تتركوا على ما أنتم عليه من أداء الفروض في الاشتغال بالعلم ، والاجتماع عليه في جوامعكم ومساجدكم ، وثباتكم على ما كان عليه سلف الأمّة من الصحابة ، رضي اللّه عنهم ، والتابعين بعدهم ، وفقهاء الأمصار الذين جرت الأحكام بمذاهبهم وفتواهم ، وأن يجري فرض الأذان والصلاة ، وقيام شهر رمضان ، وفطره ، والزكاة ، والحجّ ، والجهاد ، على ما أمر اللّه به ونصّه بنبيّه صلّى اللّه عليه وسلم في سنّته ، وإجراء أهل الذمّة على ما كانوا عليه . ولكم عليّ أمان اللّه التامّ العامّ ، الدائم الشامل ، المتّصل الكامل ، المتجدّد المتأكّد ، على الأيّام ، وكرور الأعوام ، في أنفسكم وأموالكم وأهليكم ، ونعمكم وضياعكم ورباعكم ، وقليلكم وكثيركم ، وعلى أنّه لا يعترض عليكم معترض ، ولا يتجنّى عليكم متجنّ ، ولا يتعقّب عليكم متعقّب ، وعلى أنّكم تصانون وتحفظون وتحرسون ، ويذبّ عنكم ويمنع منكم ، فلا يتعرّض إلى أذاكم ولا يسارع أحد في الاعتداء عليكم ولا في الاستطالة على قويّكم فضلا عن ضعيفكم ، وعلى أن لا أزال
--> ( 1 ) معطوف على : فعرّفتهم ما تقدّم به أمر مولانا . . .